غالبًا تتردد شعارات على مواقع التواصل الاجتماعي والواقع بعبارات رنانة: كن وحيدًا تعش سعيدًا أو العزلة راحة. ولكن هل حقًا كون الشخص وحيدًا يعني أنه سعيد؟ وهل العزلة راحة؟
غالبًا حين تطرح الوحدة والعزلة الاجتماعية يُنظر إليهما كأنهما شيء واحد، ولكن هل الوحدة والعزلة شيء واحد؟
العزلة الاجتماعية:
بحسب تعريف منظمة الصحة العالمية، فالعزلة هي غياب الأدوار الاجتماعية في المجتمع والتفاعلات مع الأفراد، فالشخص المعزول هو شخص لا يملك تفاعلًا كبيرًا مع المجتمع، سواء بقرار شخصي منه أو بحكم الظروف أو قلة فرص التواصل الاجتماعي.
الوحدة:
فهي شعور بضيق عاطفي ينشأ من شعور الفرد أن علاقاته الاجتماعية لا تلبي احتياجاته العاطفية، فقد يشعر الفرد بالوحدة وهو محاط بأهله وأصدقائه، وقد لا يشعر المعزول بالوحدة إن توفرت له علاقة اجتماعية بالقدر الكافي.
بعد معرفة الفرق بين الوحدة والعزلة الاجتماعية، ما هي الأسباب التي تجعل الفرد يشعر أنه وحيد أو يختار العزلة?
أسباب الوحدة
لا يمكننا حصر أسباب الوحدة والعزلة الاجتماعية في سبب واحد، فالأسباب معقدة، فمن أبرز الأسباب:
ضعف الروابط الاجتماعية
سواء مع الأسرة أو الأصدقاء، أو حين يتعرض الفرد لخيانة أو نفاق أو علاقة سامة، سواء مع صديق أو غيره، أو حين يشعر أنه في علاقة لا تفهمه، فيقرر العزلة الاجتماعية أو الوحدة. أسألك الآن عزيزي القارئ: متى آخر مرة قررت الانعزال بسبب ضعف جودة العلاقات التي تحيط بك أو شعرت بالوحدة؟
المشكلات الصحية
يعتبر الأشخاص الذين يعانون من أمراض مثل الإعاقة أو غيرها من الأمراض أكثر الأشخاص عرضة للشعور بالعزلة الاجتماعية أو الوحدة، وكذلك المشكلات النفسية، مما يجعل الفرد يقلل مشاركته في التفاعلات الاجتماعية.
التمييز الاجتماعي
حين تتعرض الفئات التي تتعرض للتمييز الاجتماعي، كالأقليات في المجتمع أو الغربة في بلد مختلف، قد يتعرض الفرد لتمييز اجتماعي، مما يزيد شعوره بالوحدة، وأيضًا اختياره للعزلة.
الخوف من الرفض
يعد الخوف من الرفض من العوامل التي تسهم في اختيار الفرد للعزلة أو شعوره بالوحدة، حيث يكون دائمًا خائفًا من أن يكون أقل، سواء كان ذلك ماديًا أو بسبب مرض أو أي سبب آخر، مما يشعر الفرد أن الجميع سيرفضه، فينكمش على نفسه.
تأثير الوحدة على الدماغ
في عام 2010 أجريت دراسة باسم:
Loneliness Matters: A Theoretical and Empirical Review of Consequences and Mechanisms (2010)
للباحثين:
John T. Cacioppo و Louise C. Hawkley.
ترى الدراسة أن الوحدة ليست مجرد شعور بالحزن لغياب الأشخاص، بل إشارة بيولوجية تدفع الإنسان إلى البحث عن علاقات اجتماعية، كما يدفعنا الجوع إلى الأكل والعطش إلى شرب الماء.
وتوضح الدراسة أن المشكلة ليست في الوحدة بحد ذاتها، بل في الوحدة المزمنة. فعندما تستمر الوحدة لوقت طويل يقرأ الدماغ ذلك كتهديد، فيصبح أكثر حساسية لأي إشارات، كما ترتبط الوحدة المزمنة بزيادة تنشيط نظام التوتر في الجسد، مما قد يؤدي إلى زيادة هرمون الكورتيزول، وهو هرمون مسؤول عن الاستجابة للضغوط. وإذا استمر هذا التنشيط لفترات طويلة قد يؤدي إلى اضطرابات النوم.
فيبدأ دماغك بقراءة أي تهديد بسيط على أنه تهديد كبير.
شخص تأخر بالرد؟
دماغك يتعامل معه كأكبر تهديد، ليس لأنك تحب الدراما، بل لأن دماغك أصبح أكثر حساسية للاستجابة لأي تهديد.
وتدفع هذه الحساسية لتجنب الاجتماعات والانعزال، لأن دماغك يقرأ أي إشارة كتهديد، فيزداد شعورك بالوحدة.
وتبدأ بالدوران في حلقة مفرغة:
كلما زادت الوحدة زاد الانسحاب، وكلما زاد الانسحاب زادت الوحدة.
وتؤكد الدراسة أن الوحدة المؤقتة ليست ضارة، فالوحدة جزء من تجربة إنسانية، وجميعنا سنمر بها في فترة من الفترات، ولكن الخطر في استمرار الشعور بالوحدة أو تحولها إلى وحدة مزمنة.
ولكن إذا كان دماغنا يقرأ الوحدة كنقص، فكيف يعوض هذا النقص؟
في كل مرة تقيم فيها علاقة اجتماعية أو تتعرف على أشخاص جدد، ينشط نظام المكافأة الذي يشارك فيه الدوبامين، لذلك تشعر بمتعة وانتماء حين تقيم علاقة جديدة.
ولكن ماذا سيحدث إن توقفت تمامًا عن إقامة علاقات؟
قد يبدأ الدماغ في البحث عن مصادر أخرى تمنحه شعورًا سريعًا بالمكافأة، وأقرب مثال في واقعنا السوشيال ميديا.
لا يمكننا اعتبار السوشيال ميديا السبب الوحيد للوحدة، ولكن التصفح السلبي والمقارنات قد تدفع الفرد إلى الانعزال أكثر، كما أن الفيديوهات القصيرة قد تمنح شعورًا بالمكافأة، فيعتاد الدماغ الإشباع السريع، ومع الوقت تبدأ العلاقات الاجتماعية تصبح أصعب لأنها تحتاج وقتًا من بناء تعارف إلى صداقة ثم إلى صداقة عميقة.
ملاحظة شخصية
الذكاء الاصطناعي ما زالت أبحاث تُجرى حول علاقته بالوحدة، ولكن هذا تحليلي الشخصي ولم أستند فيه إلى أي أبحاث.
أصبح بعض الأشخاص أكثر ميلًا إلى الفضفضة وإقامة علاقات مع نماذج الذكاء الاصطناعي هربًا من شعور الوحدة، فالذكاء الاصطناعي لا يحمل التعقيد الذي تحمله العلاقات الإنسانية.
إن أرسلت له رسالة طويلة لن يرد عليك بـ"أوكي"، ولن ينشر أسرارك بعد خلاف، ولن يعايرك بماضيك، وتستطيع إخباره بأغرب أفكارك ولن يحكم عليك، مما جعل بعض الأشخاص يدمنون هذا الشعور أكثر من التواصل مع الأشخاص.
فالذكاء الاصطناعي يعطيك شعورًا أنك مسموع ولست وحيدًا.
شخصيًا أرى أن الذكاء الاصطناعي لن يغني عن العلاقات الاجتماعية والإحساس الذي تعطيه العلاقة مع شخص حقيقي. نعم، قد يكون مخففًا للوحدة، ولكنه أيضًا قد يكون طريقة أسوأ لمحاربة الوحدة، ويبقى هذا تحليلي الشخصي.
ما هي تبعات الشعور بالوحدة على الصحة النفسية والجسدية؟
تشير الدراسات إلى أن الأشخاص الذين يعانون من الوحدة المزمنة هم أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب، كما أن الاكتئاب قد يدفع الشخص إلى الانسحاب، فتزداد وحدته.
القلق
قد تدفع الوحدة المزمنة الشخص إلى أن يكون أكثر حساسية لنظرة أو كلمة سلبية من الآخرين، فيزداد القلق أو القلق الاجتماعي عمومًا.
ومنها أمراض نفسية أخرى، لكن أحببت ذكر هذين المثالين فقط.
أمراض جسدية
تشير الدراسات إلى أن استمرار الشعور بالوحدة لفترات طويلة يرتبط بارتفاع ضغط الدم.
وترتبط الوحدة والعزلة أيضًا بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكتة الدماغية.
كما أن الأشخاص الذين يشعرون بالوحدة لفترات طويلة قد يعانون من جودة نوم أقل واستيقاظ متكرر.
وليس بالضرورة حتميًا أن تصاب بكل هذا، فلا داعي للذعر، ولكن استمرار الشعور بالوحدة لفترات طويلة يستحق الانتباه.
هل الوحدة أو العزلة سيئة دائمًا؟
في الحقيقة لا.
العزلة أو الوحدة المؤقتة قد تكون مفيدة لاختلاء النفس بذاتها، وإعادة شحن الطاقة، وترتيب الأفكار والتفكر.
المشكلة تكمن في استمرار الشعور بالوحدة أو استمرار العزلة الاجتماعية.
تجربتي الشخصية مع الوحدة
أنا شخصيًا عانيت من الوحدة، فكنت أنعزل في غرفتي كثيرًا. وحين أصبح لا بد أن أخرج إلى العالم الواقعي، بدأت أواجه صعوبات كبيرة في إقامة علاقات اجتماعية، وكنت أشعر بالتوتر.
لذلك بدأت أجبر نفسي على الانخراط داخل المجتمع.
بدأت مع عائلتي، فبدل جلوسي وحدي بدأت أجلس معهم، ثم بدأت أجلس في أماكن يوجد فيها غرباء، وبدأت أقنع نفسي:
"جوهرة، لا أحد مهتم بك، لا أحد مهتم بك."
لن أقول إنني أصبحت اجتماعية، ولكنني أصبحت أفضل.
أود الآن أن تتخيل نفسك كوبًا، وهذا الكوب يمتلئ بثلاثة أشياء:
علاقتك بالله
هي الأساس، فإذا كانت علاقتك بالله ليست قوية أو كانت مهزوزة، فانسَ فكرة محاولة تعبئة هذا الفراغ الذي بداخلك.
علاقتك مع نفسك
مهمة جدًا.
وتندرج تحتها علاقتك مع جسمك، وشعرك، وأكلك، وممارستك للرياضة، ومدى حنيتك على نفسك، وكيف تسامح نفسك.
كن لطيفًا مع نفسك.
علاقاتك الاجتماعية
العلاقات الاجتماعية مهمة جدًا.
وأعتقد أن سبب كتابتي لهذا المقال هو أن الناس أصبحوا أكثر ميلًا إلى الانعزال، وضعفت الروابط الاجتماعية، بل وأصبح يُروَّج أن العلاقات الاجتماعية شيء سيئ.
وتندرج تحتها:
علاقتك مع أهلك.
أصدقاؤك.
العلاقة الزوجية.
علاقة العمل.
علاقة الزمالة.
كلها تعتبر نوعًا من أنواع العلاقات الاجتماعية.
إذا شعرت حقًا أن الوحدة بدأت تؤثر على جميع نواحي حياتك، من قلق مزمن أو بوادر اكتئاب، فقد يكون أخذ استشارة نفسية قرارًا معقولًا.
الخاتمة
في النهاية أود القول إن الوحدة ليست عيبًا، بل هي جزء من تجربة سيمر بها كل إنسان.
ومن أسباب كتابتي لهذا المقال أنني عانيت من الوحدة، وأرى ترويجًا كبيرًا لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي على أنها شيء جيد.
وأكرر، هي ليست سيئة ما دامت مؤقتة، لذلك علينا التعامل مع الوحدة بحذر.
في النهاية، إن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي.


تحفة أتمنى أنها تنتشر اكثر لازم الكل يشوفها 🩷
انتي الكاتبة هاذي المقاله