ابنة أختي، البالغة من العمر ست سنوات، تحب الأحضان كثيرًا. لا تكاد تترك أحدًا منا دون أن تعانقه، حتى إنني بدأت أعتقد أن الحضن بالنسبة إليها إحدى طرق التعبير عن محبتها.
سألتها ذات ليلة، بدافع الفضول: «لماذا تحبين الأحضان؟»
نظرت إليّ ببراءة وقالت: «هكذا أجمل.»
توقفت عند إجابتها. ربما لأنني كنت أتوقع تفسيرًا أكثر تعقيدًا، بينما اختصرت هي الأمر كله في أربع كلمات. لا تحتاج الأحضان، في بعض الأحيان، إلى تفسير؛ يكفي أنها تجعل الأشياء أجمل.
لكن ما الذي يجعل الحضن أجمل فعلًا؟ كيف استطاعت هذه الحركة البسيطة أن تحمل كل هذه المعاني؛ أن تكون تعبيرًا عن الحب تارة، وعن الأمان تارة أخرى، وأن تظهر في لحظات الفرح والحزن واللقاء والفراق؟
ربما لأن الحضن من أقدم اللغات التي عرفها الإنسان؛ لغة لا تحتاج إلى كلمات معقدة، نختصر بها معاني كاملة بحركة واحدة. لغة تعلمناها حتى قبل الكلام، لغة غير منطوقة نصف بها حزننا، أو خوفنا، أو احتياجنا. كأن جسدين قررا الكلام.
حركة عابرة تحمل كل هذه المعاني، ومع ذلك قد تحمل معنى مختلفًا من شخص إلى آخر. فلماذا نجد الحضن حاضرًا في الأدب والأساطير؟ وماذا يقول لنا علم الأعصاب عن هذه اللغة غير المنطوقة؟
ولعل إحدى أبلغ الصور التي يمكن أن نرى فيها الحضن بوصفه لغةً تظهر في قصة يوسف ويعقوب عليهما السلام.
يظهر لنا أسمى معاني الحضن حين التقى يوسف عليه السلام بأبيه.
جاء في سفر التكوين:
«فشدّ يوسف مركبته وصعد لاستقبال إسرائيل أبيه إلى جاسان. ولما ظهر له وقع على عنقه وبكى على عنقه زمانًا.»
لم يحتاجا إلى الكلام، فالحضن كان كفيلًا بأن يفسّر اشتياق يعقوب عليه السلام إلى ابنه.
ذلك الحضن لم يكن بحاجة إلى شرح ما حدث في السنوات الماضية. لم يحتج يوسف عليه السلام إلى أن يشرح لأبيه مقدار اشتياقه إليه، ولم يحتج يعقوب عليه السلام إلى أن يصف مقدار حزنه وألمه وانتظاره. في تلك اللحظة، كان الحضن أبلغ من أي كلام.
ولهذا، فالحضن لغة مختلفة؛ لا يخبرنا عمّا يشعر به الشخص فحسب، بل يحمل معه سنوات من الفقد لم تستطع الكلمات وصفها، ويختصرها في لقاء واحد.
وإذا انتقلنا إلى المصريين القدماء، نجد أن الحضن لم يكن غائبًا عن فهمهم، بل ظهر في تماثيلهم ورسوماتهم بوصفه صورةً للقرب والألفة بين الأشخاص. ومن الأمثلة على ذلك تمثال الزوجين مِمي وسابو، حيث يظهر الزوجان في وضعية احتضان، في مشهد يجسّد معاني عديدة عن العلاقة بينهما.
ولم يقتصر الأمر على الاحتضان بين الأحياء؛ ففي بعض المناظر يظهر متوفى يحتضنه والداه، وكأن الحضن هنا تجاوز كونه تعبيرًا عن المحبة، وأصبح صورةً للقاء واستمرار الرابطة حتى الممات.
وهنا يصبح معنى الحضن أعمق؛ يتجاوز أن يكون معناه «أحبك» أو حتى «أشعر بالأمان معك»، ليصبح تعبيرًا عن المسافات التي تفصلنا، والاحتفاظ بذكرى من نحب حتى بعد الممات.
ومن هنا تتضح لنا صورة أن الحضن يختلف باختلاف المكان والزمان وكل حضارة؛ فالمكان والزمان قادران على تغيير معنى الحضن. فاحتضان أمٍّ لطفلها يختلف عن لقاء بعد فراق، ويحمل عناق أبٍ لأطفاله بعد يوم عمل متعب معانيَ أخرى.
وربما لهذا السبب بقي الحضن وسيلةً إنسانية أولى، باختلاف الأزمنة. لكن يبقى السؤال: ماذا يحدث لأجسادنا حين
وحين نتعانق، لا يكون الأمر مجرد ملامسة جسدين؛ فالجلد يحتوي على أعصاب تستقبل اللمس وترسل إشارات إلى الدماغ. وحين يكون اللمس من شخص نشعر نحوه بالأمان، يتعامل الدماغ معه بوصفه إشارة إلى القرب والطمأنينة، فيساعد ذلك على تخفيف استجابة الجسم للتوتر. وترتبط اللمسات الاجتماعية أيضًا بأنظمة كيميائية في الدماغ، من بينها الأوكسيتوسين، الذي يشارك في الترابط الاجتماعي.
لهذا، فالحضن لا يخفف عنا المشاعر فقط، بل يخفف التوتر الذي تحمله أجسادنا. فالحضن ليس ذراعين تحيطان بك فحسب، بل هو أيضًا إشارة إلى دماغك: «أنت لست وحيدًا، أنا معك».
وربما لهذا، حين أجابتني ابنة أختي «هكذا أجمل»، لم تكن تعرف معنى الحضن، ولا ما الذي يفعله في أدمغتنا وأجسادنا. كانت ببساطة تحبه، وتراه الأجمل.


ملاحظة: كُتب هذا المقال بقلمي شخصيًا ودون الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كتابته، ثم استعنتُ به لاحقًا لتصحيح بعض المعلومات ومراجعتها.
حنون جدًا وكأنما المقال حضن لطيف القارئ
فعلا أنه لُغة غير منطوقة